الأسبوع العربي

البيت.. المحراب، تأملات

بقلم د. هويدا مروان

في أحد اللقاءات التليفزيونية للفنانة الكبيرة سناء جميل، وكان اللقاء فى منزلها طرح عليها المحاور الأستاذ مفيد فوزي سؤالًا عم يمثل لها البيت، وذلك بعد اندهاشه الشديد عندما حكت أنها من تقوم بكل أعمال المنزل دون مساعدة من خدم أو حشم، وكانت إجابتها شديدة الروعة والعمق أن البيت يمثل لها المحراب (محرابها). وعندما عرض عليها أن البعض يصف البيت بالقلعة أصرت على وصفها بأن البيت هو محرابها.
والحقيقة أن وصفها هذا أثار بداخلى تأملات وإعجاب شديد واكتشفت أنني أيضًا أعتبر بيتي محرابًا وإن كنت لا أعرف هذا الوصف إلا بعد استماعي لحديثها لكن المعني كان متأصلًا بداخلي، فوصف البيت بالمحراب يضفي عليه معاني القدسية والطهارة، كما أنه يمثل الوجهة أو القبلة. وهو فى معناه اللغوي التجويف الموجود فى جدار المسجد يحدد اتجاه القبلة يتوجه إليه الإمام والمصلون أثناء الصلاة. فكلمة المحراب تضفي معنى روحيًا يفضي إلى الشعور بالأمن؛ فهو يمثل مركز السلام والأمان؛ بل هو الملاذ الآمن من صخب الحياة وضجيجها؛ حيث السكينة والهدوء والراحة والاطمئنان، كما أنه الحصن الذى نحتمي به من كل خطر وفتنة.
وبناءً على ذلك فهذا المكان لا يدخله إلا من يستحق، وهذا ما يفسر رأيها أنها لا تحب أن يدخل بيتها أى شخص ولو على سبيل المساعدة فى إنجاز أعمال المنزل لأنه محرابها ومحور عالمها مع نفسها، مع الله، مع أفكارها، فلا يصح أن يقتحم أحد تلك الخلوة. مع الأخذ فى الاعتبار أن لكل إنسان ظروفه التي قد تجبره على طلب المساعدة من المتخصصين، ولا حرج في ذلك ولكن بوضع حدود لا تتعدى علي تلك المكانة. فالبيت ليس من المباحات. وهذا لا يتنافي مع الإحسان لكل من يساعدنا فى القيام بأعماله. وفى التراث الشعبى ” البيوت أسرار”.
ومن يرجع إلى تعاليم الدين ويتأمل هذا المعني يجد أن الله تعالى فى كتابه العزيز- فضلًا عن السنة المطهرة- علمنا وأرشدنا إلى آداب الزيارة واحترام خصوصية الناس لما للبيوت من مكانة ورمز، فلا تقتحم البيوت على أصحابها دون سابق إذن للزيارة، والطرق على أبوابها ثلاثًا وبعدها الانصراف بكل هدوء، كما أن التجسس من أشد المحرمات قولًا واحدًا، والبيوت من العورات فلا يجوز التطلع لاستكشافها إلى غير ذلك من الآداب والتعليمات من حيث طريقة الجلوس ومكانه إلى آخر ذلك من آداب تحض على احترام خصوصية البيت؛ مما يؤكد أن للبيوت مكانة خاصة وخصوصية لا يصح التعدي عليها بأى حال.
أعترف بأن عبارتها لمست روحي، وعبرت عما بداخلى، البيت ليس مجرد جدران أو مكان نجتمع فيه؛ بل هو الحصن، والهوية، والخلوة المقدسة التي لا يجوز أن يقتحمها أحد دون استئذان أو استحقاق.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى